الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
127
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين . يقول ابن عباس : ( إن يوسف رأى رؤياه ليلة الجمعة التي صادفت ليلة القدر ) ( ليلة تعيين الأقدار والآجال ) . ولكن كم كان ليوسف من العمر حين رأى رؤياه ؟ ! هناك من يقول : كان ابن تسع سنوات ، ومن يقول : ابن سبع ، ومنهم من يقول : ابن اثنتي عشرة سنة ، والقدر المسلم به أنه كان صبيا . ومما يستلفت الانتباه إلى جملة " رأيت " جاءت مكررة في الآية للتأكيد والقاطعية ، وهي إشارة إلى أن يوسف ( عليه السلام ) يريد أن يقول : إذا كان كثير من الناس ينسون رؤياهم ويتحدثون عنها بالشك والتردد ، فلست كذلك . بل أقطع بأني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين لي دون شك . واللطيفة الأخرى هي أن ضمير " هم " الذي يأتي لجمع المذكر السالم العاقل ، قد استعمل للكواكب والشمس والقمر ، ومثل هذا الاستعمال " ساجدين " أيضا إشارة إلى أن سجود الكواكب لم يكن من قبيل الصدفة بل كان أمرا مدروسا ومحسوبا كما يسجد الرجال العقلاء ! وواضح - طبعا - أن السجود المقصود منه هنا هو الخضوع والتواضع ، وإلا فإن السجود المعروف عند الناس لا مفهوم له بالنسبة للكواكب والشمس والقمر . إن هذه الرؤيا المثيرة ذات المغزى تركت يعقوب النبي غارقا في التفكير . . . فالقمر والشمس والكواكب ، وأي الكواكب ! إنها أحد عشر يسجدون جميعا لولدي يوسف ، كم هي رؤيا ذات مغزى ! لا شك أن الشمس والقمر " أنا وأمه أو خالته " والكواكب الأحد عشر إخوته ، هكذا يرتفع قدر ولدي حتى تسجد له الشمس والقمر وكواكب السماء . إن ولدي " يوسف " عزيز عند الله إذا رأى هذه الرؤيا المثيرة ! لذلك توجه إلى يوسف بلهجة يشوبها الاضطراب والخوف المقرون